أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب: من يريد إعدامنا؟
منذ تغيير النظام كان أغلب الشعب التونسي ينتظر قضاء مستقلا تماما عن الأحزاب والسلطة التنفيذية يحمي حقوق كلّ مواطن مهما كانت منزلته الاجتماعيّة، كما كان ينتظر اعلاما حرا يكون ركيزة للبناء الديمقراطي وللشفافية، لكن وبكلّ أسف ظلت الصحف الورقية تتساقط والأحلام تندثر ومن 229 عنوانا لم يصمد الا 40! تبخرت جريدة «الحدث» و«حقائق»الناطقة بالعربية و«الاعلان» و«الأولى» و«التونسية» و«الضمير» و«الموقف» و«الطريق الجديد» في حين ظلت أخرى تتخبّط في أوضاع خانقة بل قاتلة على غرار «أخبار الجمهورية» و«الفجر» التي تمتلكها حركة النهضة و«البيان» الناطقة باسم منظمة الأعراف و«الشارع المغاربي» و«المصور» و«الأخبار» و«المغرب» التي يساندها السيد المنصف السلامي بكلّ حزم و«آخر خبر».. وفي الأثناء لم تصمد اليوميات الاّ بعناء كبير رغم انها تمتلك مطابع تيسّر ولو الى حدّ ما ـ استمرارها..
وللتذكير فانّ الاشهار يمثل في كل بلدان العالم من 60 الى 70 ٪ من مداخيل الصحف وأمّا في تونس فانّ مداخيل الاشهار بالنسبة لكل الصحف المكتوبة تناهز 19،8 مليارا (9 ٪) في حين أنّ مداخيل الإذاعات في حدود 34،8 مليارا (15،9) بينما تتمتّع القنوات التلفزية بـ135 مليارا والمعلقات بـ 22،7 مليارا.. هذه الأرقام ـ وهي إحصائات وكالة سيقما ـ تثبت انّ المستشهرين يحبّذون تلفزات «البوز» على الاعلام الرّصين، مع التذكير بأنّ خمس صحف تتمتّع بأكثر من 90 ٪ من مداخيل الإشهارين العمومي والخاص!
في هذه الظروف الصعبة التي افتقدت فيها كلّ الصحف في العالم ـ تقريبا ـ عددا هامّا من قرّائها ونظرا الى المنافسة الشرسة للإذاعات والتلفزات والفايسبوك وطبعا الى تدهور المقدرة الشرائيّة، باتت الصحف التونسية في خطر، وعلى الرغم من ذلك لم تحرّك الحكومات المتعاقبة ساكنا لدعمها، وأمّا فرنسا ـ على سبيل المثال ـ فتخصّص كلّ سنة 120 مليارا من مليماتنا لمؤازرة الإعلام المكتوب.
الى هذا المناخ الاقتصادي السيّئ يضاف مناخ سياسي ملوّث ورديء سمح لبعض بارونات التهريب بشراء ذمم بعض الإعلاميين والمنشّطين أو بتقديم المليارات للتأثير على الخطّ التحريري لوسائل الإعلام هذه! أما بخصوص الدول الأجنبية فالاعلاميون يتساءلون بأيّ أموال تمّ اقتناء معدّات بعض الإذاعات والتلفزات وتجهيزاتها ومن أين أتت الأموال «الكريمة» لبعث هذه المؤسسات الإعلامية.. في هذه الظروف الضبابية الغامضة التي تهدّد الإعلام، تفاقم الخطر المنذر بتدخل الحكومة في هذا القطاع فباتت بعض الجرائد تشبه صحف الماضي، فهي دائبة على المدح وتزيين الواقع، وهو ما من شأنه أن يضرّ بالنظام، من ذلك أنّ وزارة الدّاخلية تدخّلت وأوقفت صحيفة الثورة نيوز (التي حدث يوما ان ثلبتني) عن الصدور، وهو قرار في منتهى الخطورة لأنّ القضاء ـ وحده ـ له الحقّ في تطبيق المرسومين 115 و116 الخاصّين بالصحافة.. وفضلا عن كلّ ذلك أضحى واضحا انّ هناك مسؤولا في رئاسة الجمهورية يريد التدخّل في قطاع الإعلام ممّا قد يعصف به لأنّه رغم المظاهر فانّ كل الإعلاميين الذين ساندوا النظام الماضي بصفة عمياء أضرّوا بالرئيس السابق وساهموا في اسقاطه لأنّهم كانوا من بني «وي وي».. فحذار من عبد الوهاب عبد الله جديد..
لنأت إلى أخبار الجمهورية حيث مازلنا نناضل من أجل اعلام يخدم الحداثة وحقوق الانسان وخاصة المرأة والتصدّي لتوريث الحكم على مستوى رئاسة الجمهورية والدّفاع عن جمهورية القانون والمؤسّسات والحقوق والواجبات دون ايّ حساب أو خوف، ومثلما كان يحدث لـ«أخبار الجمهورية» قبل تغيير النظام، لم يقع استدعاء أيّ صحفي أو صحفية لقصر قرطاج لأنّ «المنصف بن مراد موش متاعنا» ولأنّه لا يتردّد في الإصداع بالحقيقة في حين لم تدع رئاسة الحكومة صحفيي جريدتنا الى أيّ اجتماع لأنّنا «لا نلمّع الأحذية» ولا نخدم الأشخاص بل نخدم تونس وحدها!
وهنا لابدّ من شكر زملاء لامعين وشجعان في أخبار الجمهورية يمارسون مهنتهم في ظروف قاسية ولم يطالبوا بأيّ زيادة في الأجور منذ أربع سنوات، وهكذا صاروا أكثر من اعلاميين.. أردت ان أقول مناضلين يؤدون رسالة صادقة ونبيلة.. من هؤلاء أذكر نجيب الخويلدي وعادل بوهلال وشيراز بن مراد وطارق العصادي ومنارة تليجاني وسناء الماجري ونضال الصيد وعصام بن مراد والصحبي بكار ومحمد زحميط ونجاة بن مبارك وروضة الشايب وسميرة الطرابلسي ومحرزية الماجري ورفيقة القاسمي وعبد السلام بن عامر...
كلّهم أبطال فهم يتقاضون أقلّ من مستحقاتهم لكنهم صامدون من أجل الصّحافة وبلادهم، ومصرّون على التضحية خاصّة وهم يعلمون انّ مدير الجريدة لم يتقاض ايّ مرتب، بل وأيّ مليم منذ أربع سنوات حفاظا على التوازنات الماليّة للمؤسّسة واستمرارها ودفاعا عن تصوره لجمهورية تنعم بالحريات والازدهار، كما انّهم على علم بأنّ المدير ضخّ عشرات الملايين عن قناعة تامّة حتى يقع الحفاظ على مواطن الشغل..
في ظلّ كلّ هذه الصعوبات وبعد مغادرة صحافيين ممتازين للجريدة بفعل الاغراءات (وهذا شيء طبيعي) لم تتّخذ الحكومة إلاّ اجراء وحيدا لفائدة الصحف الالكترونية تجسم في التخفيض في المساهمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فهي ـ مثلا ـ لم تحدث ادارة توزع الاشهارات العمومية بصفة عادلة حتى تحافظ على موارد رزق الصحفيين وتساند قطاعا له أهمية بالغة في استقرار البلاد خاصّة انّ الصحافة المكتوبة أو الالكترونية ليست في أغلبها صحافة «البوز» والإثارة، وهي أفضل بكثير من الاعلام السّمعي البصري الذي يكرّس أحيانا التفاهة ويشجّع على التعريف بأفكار الارهابيين..
ورغم قتامة المشهد، لم تنظم جامعة مديري الصحف أي تحرّك ميداني للدّفاع عن المؤسسات الإعلامية ومواطن شغل الصحافيين من خلال اقرار توزيع عادل للاشهار العمومي وتقنين الاشتراكات بل استمرّت في سياسة الاجتماعات غير المجدية والحال انّ بعض الصّحف تشرف على الغرق..
والمطلوب اليوم من رئاسة الحكومة هو الإعلان عن وكالة توزع الاشهار العمومي وتضمن الاشتراكات بكلّ شفافيّة حتى ينجو القطاع من كارثة لا مفرّ منها، وان لم تفعل فلن تبقى في السوق سوى دار لابراس ودار الانوار والصريح وربما ثلاث أو أربع صحف أخرى وقد يكون الوضع كارثيا على الصعيد السياسي لأنّنا سنفقد رافدا هاما للحياة الديمقراطية كما سيفقد مئات من الصحفيين شغلهم في حين يتمتّع السياسيون ـ على اختلاف مواقعهم ـ برفاهة مادية لا مثيل لها كما أن هناك دعما بمئات المليارات للمؤسسات الاقتصادية والصناعية.. فهل ستفتح الوزارات أبوابها لكل من يفقد شغله ومورد رزقه حتى يضمن معلوم كراء شقة ولقمة عيش وخلاص ديونه عند «العطّار»؟
فاستيقظ يا رئيس الحكومة وكن حازما لإنقاذ قطاع ينهار ومعه تنهار الديمقراطية وما تبقى من أمل في هذه البلاد!